الياس شوفاني
247
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
عالية ، ولم تنفع معها محاولات الإصلاح ( التنظيمات والفرمانات السلطانية ) ، سواء في الجيش ، أو في إدارة الدولة . وتضافرت عوامل خارجية وداخلية لوضع السلطنة في موقع الدفاع عن النفس إزاء الخارج ، و « انفلاش » السلطة في الداخل . فراحت تتراجع أمام أوروبا الناهضة ، في الغرب ، وكذلك في صراعها مع روسيا المحدثة في أيام القيصر بطرس الأكبر ، في الشمال الشرقي ، وتدافع عن أراضيها ضد الأفغان الذين تحركوا من إيران في اتجاه العراق . أمّا في بلاد الشام ، فقد برزت عائلة العظم ( الشامية ) في دمشق ، وتسلمت الولاية فيها ، برضى السلطان المشوب بالحذر . وفي فلسطين ، برز الزيادنة ( ظاهر العمر ) ، وبسطت هذه القبيلة البدوية سلطتها على فلسطين وأجزاء من لبنان . وفي مصر استعاد المماليك سلطتهم ، بشخص علي بك الكبير ( 1760 - 1773 م ) . وعلاوة على ذلك كله ، فتحت معاهدة كارلوفيتس الباب على مصراعيه أمام الدول الأوروبية لاستغلال التناقضات الداخلية عبر « نظام الامتيازات » ، التي اتسع نطاقها على جميع الصعد . ثانيا : ظاهر العمر الزيداني يمثل ظاهر العمر الزيداني ذروة حكم الأمراء المحليين في فلسطين ، واستقلالهم في إدارة شؤونهم الذاتية على رقعة واسعة من البلد ، وذلك تحدّيا للسلطنة العثمانية ، وبالتعاون مع قوى أوروبية ، وعبر سلسلة من التحالفات والصراعات ، مع الأمراء المجاورين أو ضدهم . لقد كرّر ظاهر العمر في القرن الثامن عشر ، ما فعله فخر الدين المعني في القرن السابع عشر . وفي الواقع ، لقي الاثنان في النهاية المصير نفسه ، إذ لم تكن السلطنة العثمانية ناضجة للتفتت بعد . وكان الزيادنة ، وهم قبيلة بدوية ، جاءت من الحجاز واستقرت في الجليل الأسفل ، قد برزوا عبر « الالتزام » ، أي ضمان جباية الضرائب من السكان في بعض المناطق ، لقاء مبلغ مقطوع للدولة . ومن هنا عرف الزعماء المحليون الذين عملوا به باسم « مقاطعجية » . وهذا النظام الذي شاع في القرنين السابع والثامن عشر بديلا من الإقطاع العسكري بعد تدني فاعلية الإنكشارية وفسادهم ، أتاح لهؤلاء « الملتزمين » بناء جيوش خاصة مهمتها الحفاظ على أمنهم وجباية الضرائب واستخدامها في الصراع بين بعضهم البعض بشأن السلطة والنفوذ ، ولكن من دون أية فائدة للسلطنة في حروبها الخارجية . واستحوذت ظاهرة الزيادنة - بروزهم وتوسعهم وصراعاتهم مع الجوار والسلطنة وسقوطهم - على تاريخ فلسطين في القرن الثامن عشر . وكان ظاهر العمر الشخصية